السيد كمال الحيدري
76
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
في المصادر التفسيرية السابقة واللاحقة إلّا في حدود ضيقة جدّاً ، بل لا تكاد تلمح المنهجة إلّا في مصادر تفسيرية متأخّرة جدّاً . وعلى أيّ حالٍ ، فالعملية التنظيمية لمختلف العلوم في أكثر مجالاتها تُعاني اختناقاً حادّاً من هذه الفوضوية في سيرها المعرفي ، عرضاً وطرحاً ونتائج ، ممّا يجعل العملية التحقيقية أكثر تعقيداً وانسداداً . ومن هنا تبرز الحاجة الملحّة إلى إعلان ثورة معرفية كاملة تؤسّس لمنهجة علوم مختلفة ، وتقعيدها « 1 » بنحو يحفظ العملية البحثية من الركام المعلوماتي المنتشر هنا وهناك دون ضوابط علمية . ولعلّ من أبرز المشكلات التي أحدثها الركام المعلوماتي غير المنضبط : الخلاف والاختلاف الحادّان في تحديد هويّة جملة كبيرة من الاصطلاحات العلمية ، فتجد جملة من العلوم الاعتبارية ترتّب آثاراً وتؤسّس براهين وتأخذ نتائج اعتماداً منها على قواعد وضوابط موضوعاتها حقيقية خارجية ، وما ذلك إلّا لعدم وضوح في مضامين وهويّات جملة من الاصطلاحات العلمية . التأويل . . . والحاجة إليه التأويل في اللغة من الأَوْل ، أي : الرجوع إلى الأصل « 2 » ، وأمّا في الاصطلاح فقد اختُلف في معناه ، ولعلّ المردّ في ذلك هو مجيء التأويل في القرآن بمعانٍ
--> ( 1 ) المراد من التقعيد : هو جمع الأطراف المتوافقة مضموناً إلى قاعدة كلّية صادقة عليها ، أي إرجاع النثار المعلوماتي إلى أصوله وقواعده وضوابطه ليميز الغثّ منه من السمين . جدير بالذكر أن سيّدنا الأستاذ ( دام ظلّه ) قد أطلق منذ وقت بعيد دعوات عدّة لتأصيل وتقعيد جملة من العلوم الإسلامية ، أي تحديد قواعد وأصول لها ، من قبيل علم أصول التفسير وعلم أصول العقائد كما هو الحال في علم أصول الفقه . وقد أردف تلك الدعوات المتواصلة بنتاج علمي فريد وهو كتاب ( أصول التفسير والتأويل ) الذي أبرز فيه جملة من القواعد التفسيرية . ( 2 ) انظر : مفردات ألفاظ القرآن : ص 99 ، مادّة ( أوْل ) . .